الحسن بن الهيثم أحد أعظم علماء البصريات في العالم والذي يعود له الفضل في وضع نظرية الإبصار وفيزياء الضوء في مسارهما الصحيح. فهو من فنّد النظريات القديمة عند الإغريق بأن الضوء يخرج من العين ليحصل الإبصار، وبين أن هذا الأمر غير صحيح وأن الحقيقة أن الضوء يسقط على الشيء لينعكس نوراً على العين فتراه، وقد أصاب كبد الحقيقة. وفعلاً بعد هذه النظرية الرائعة استطاع وضع اللبنات الأولى للكاميرا أو ما عرفت بتجربة حجرة الضوء[1].
أحد أكبر مشاهير علوم البصريات والضوئيات في التاريخ البشري وأحد أكبر علماء الفيزياء المسلمين والعالميين، ذلك هو أبو علي الحسن بن الحسن أو ابن الحسين بن الهيثم، ولد عام 965 ميلادية بالبصرة بالعراق، ودرس في مصر بإشراف معلمه الحكيم في المدة بين ( 996-1020)م وتوفي بالقاهرة عام 1039م أو بعدها بفترة قليلة. كان فضلاً عن ذلك من عظماء أهل الرياضيات والفلك والفيزياء والطب والفلسفة. وقد ألف أكثر من 70 مؤلفاً وهو المكتشف الحقيقي لقوانين سنيل ( Snell’s law) قبل 600 عام من وجود سنيل نفسه.
ولعل كتاب المناظر أحد أهم مؤلفاته في علوم البصريات والضوئيات والذي نقل منه العالم كبلر الكثير من مقولاته وأفكاره - دون أن يردوا الفضل لأهله طبعاً- ومن أهم اكتشافاته هو ذلك التحليل الدقيق لزوايا سقوط الأشعة على الأجسام وانعكاساتها على العين. كما إنه بعد اهتماماته بتشريح العين علم بوظيفة كل من الجفن والعدسة والبؤبؤ فحلل الأمر بشكله العلمي التجريبي الصحيح دون إفراط أو تفريط، فكان بحق أول من فتح هذا الباب المؤصد للعلم الضوئي المعقد فله فضل كل ما وصلت له البشرية لاحقاً من تطور في هذا المجال[2]
وهنا نتوقف عند الكيفية التي استلهم منها هذا العبقري المسلم طريقته في دحض الأفكار القديمة والعقيمة والإتيان بهذا الفعل الفكري والاستلهام الثوري في طريقة انتقال الضوء وأسلوب الإبصار.
طلب حاكم مصر من ابن الهيثم التفكير بطريقة لإيجاد حل لمشكلة فيضان نهر النيل التي كانت تسبب مشاكل جمة وخسائر رهيبة، فجلس ابن الهيثم يفكر ملياً في الأمر وتوصل لحقيقة أنه من الصعب السيطرة على نهر النيل ومنع فيضانه فأمر الحاكم بقتله فاضطر لادعاء الجنون كي يتخلص من ظلم الحاكم مما دفع الحاكم لتقليل الحكم والاكتفاء بسجنه دون قتله. وفي السجن كانت له فرصة عظيمة للتأمل في كون الله تعالى وقراءة القرآن، وكذلك كان في حجرة السجن فتحة شباك صغير يدخل منه ضوء الشمس صباحاً ونور القمر ليلاً.
وبعد تأملات كثيرة وتدبرات ملية في خلق الله تعالى وفي كتاب الله تعالى بدأت الأفكار تتلاقح في مخيلته، وكانت الشرارة الأولى من آية في كتاب الله تعالى وهي آية البرق في سورة البقرة.
نعم، لقد كان لأثر تلك الآية الكريمة في سورة البقرة على إبداعات هذا العبقري المسلم الذي غير اتجاه العلم نحو المسار الصحيح فكان له الدور الأبرز في توجيه علوم وفيزياء البصريات كي تصل لما وصلت له اليوم.
يقول تعالى: (يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (البقرة:20).
فعبارتي (أضاء لهم) و( أظلم عليهم) توقف عندها ابن الهيثم كثيراً وكانت القدحة التي أشعلت الفكرة التي رسخت نظريته تلك فطبقها على نفسه ووضع لها الحسابات والمقاييس ودرس تشرح العين وتعملق في الضوء والنور والآيات التي جاءت في كتاب الله تعالى فيهما والفرق بينهما حتى وصل لنظريته الشهيرة تلك التي كانت بحق ثورة في الفيزياء الضوئية وكذلك في فهم طريقة الرؤيا والإبصار ومنها انطلق العلماء في العالم لاحقاً نحو الاكتشافات اللاحقة التي أوصلتنا اليوم لما نحن فيه من فهم للضوء وتقنياته.
هذا هو فعل القرآن الكريم وأثره الخلاق في عقول وأنفس أهل التدبر والتأمل من الأجيال العملاقة التي بنت حضارة الإسلام بل وحضارة الإنسان....
فهل من معتبر من أجيال اليوم؟؟!!