علم فك الشفرة (Code Breaking and Ciphers) أو ما يعرف بالـ (Cryptography ) يعتبر أحد أهم العلوم الرياضية التي أنجزها البشر على مر العصور والذي كان له دوراً كبيراً لاحقاً في تطور علوم رياضية ورقمية أخرى لعل أهمها علوم وتقنيات الحاسوب الآلي الذي هو اليوم ثمرة تلك المنجزات العبقرية لعقول البشر.
هذا العلم لم يكن ليوجد بنظام وتنظيم وتأطير علمي لولا علماء المسلمين وطريقة تفكيرهم واستنباطاتهم العبقرية من الكون حولهم ومن كتاب الله تعالى ومن ثم تحويل الجهود العلمية والفلسفية البشرية لحضارات سابقة وتقنينها بقوانين رياضية جديدة أسست دعائم هذا العلم الخطير.
هذا الكلام ليس كلاماً حماسياً بل هو كلام أحد كبار علماء الشفرة في عالم اليوم وهو العالم سايمون سنغ (Simon Singh) وكتابه المنشور عام 1999م في تأثير ومساهمة العلماء المسلمين في هذا العلم وتأسيسهم له وهو كتاب فك الشفرة، التاريخ السري لعلم الشفرة وفك رموزها (The Code Book, The Secrete History of Codes and Codes Breaking, Simon Singh, 1999) (). ولقد كان أبو يوسف يعقوب بن إسحق الكندي هو رائد هذا العلم بلا منافس()
وعلم الشفرة باختصار هو محاولة ترتيب الحروف في الرسائل والكتب بشكل مرتب تريتباً معيناً لا يفهمه إلا أشخاصاً معينين مدربين لتلك الطريقة وذلك الترتيب، وإن قرأها غيرهم لن يجد سوى حروف بلا معنى تدعو للضحك أحياناً. وقد كانت حاجة الناس لمثل تلك الطرق منذ أقدم العصور، وحاولت حضارات كثيرة كالصينية والإغريقية والفارسية وضع أنماط من تلك الأساليب لكن الأمر لم يكن علماً مستقلاً بل محاولات متناثرة تستخدم في حالات الحرب والمعارك والمراسلات بين القادة والأمراء والملوك. وهذه التقنية تتم عادة بطريقتين، الأولى هي طريقة التبديل (Transposition)، وهي ترتيب الحروف والكلمات في الرسالة بشكل معين مفهوم للمتراسلين وليس مفهوماً لغيرهم، والثانية هي طريقة التعريض ( Substitution) وهي تعويض بعض الحروف بحروف أخرى متفق عليها وسط بعض الكلمات لتشكل معناً معيناً متفق عليه بين المتراسلين لا يفهمه الأعداء والخصوم أو حتى من هم ليس كذلك()().
خلال الحكم العباسي وصل الانتعاش الاقتصادي للدولة إلى حد أن الناس في بغداد وبقية كبريات المدن الإسلامية أقبلت على القراءة والعلوم بشكل لم يسبق له مثيل وانتشرت حركة الترجمة من الفلسفات والعلوم والثقافات والحضارات الأخرى كالفارسية واليونانية والرومانية وغيرها، وقد ساعد ذلك على تبلور بل وانطلاق عصر جديد للعلوم في جميع المجالات ومن ذلك العلوم الرياضية ومنها علم الشفرة هذا()()().
وقد كان الكندي وهو العالم الجليل الموسوعي ذو العلوم الواسعة المولود عام 800 ميلادية في الكوفة بالعراق أحد أهم من تصدى لهذا العلم خصوصاً عندما قرأ عن المحاولات البدائية له في الحضارات السابقة. لكن علمه الغزير الذي حرص والده وهو حاكم الكوفة يومئذ على تلقينه إياه وتضلعه من العلوم الإسلامية اللغوية والشرعية جعلت منه عالماً مميزاً خصوصاً مع تميزه في علوم الرياضيات بشكل عام بعدما انتقل إلى بغداد عاصمة الدنيا يومها وانغماسه في تلقي العلوم المختلفة هناك ()().
صحيح أن الكندي قد تأثر بالعلوم الإغريقية وفلسفتها، لكن خلفيته الإسلامية جعلت منه متيقظاً لماحاً مميزاً بين الغث والسمين وبين ما هو يقبل النظر وما هو خيالي وأسطوري من كتابات القوم. وقد لاحظ أن الشفرة هذه التي وضع محاولاتها اليونانيون والفرس يمكن وضعها في لغة العرب بشكل أقوى وأعمق لتميز هذه اللغة، كما لاحظ أن كتاب الله تعالى وضع بنسق وترتيب حرفي وكلامي عجيب يتعدى بلاغته ومعانيه المؤثرة في النفس والروح والعقل إلى النمط الرياضي والعددي المرتب لتلك الكلمات والحروف ضمن الآيات والسور المباركة.
وبعد تبحره في تلك العلوم الواسعة استطاع استنباط تقنية علمية اعتبرها المتخصصون البداية الحقيقية لعم الشفرة وهي استنباطه لما عرف بالتقنية الذبذبية أو التحليل الذبذبي لترتيب الحروف ( Frequency Analysis)، وهو باختصار وضع حسابات للنسبة المئوية لعدد الحروف في لغة ما لأي كتاب أو رسالة، وحساب النسبة المئوية لشفرة معينة ( cipher)، ثم تعويض الحروف المتقابلة التي تتساوى عندها النسبة المئوية في الحسابين() ().
وبتلك الطريقة فقد أسس لما عرف لاحقاً بالبصمة الحرفية وهي أن لكل إنسان طريقة كتابة تختلف عن غيره تماماً كالخط والبصمة الأصبعية أو الصوتية أو بصمة العين يمكن من خلالها التعرف على من كاتب هذا المقال أو الكتاب من خلال أسلوبه المميز باستخدام التحليل الذبذبي أو الشفرة الخطية التي اخترعها الكندي(). وبالتالي فإن كلام الله تعالى في كتابه الكريم له شفرة خارقة لا يمكن لبشر أن يأتي بمثلها أو يقلدها لأنها معجزة لجميع البشر وإن اجتمعوا عليها من كل حدب وصوب.