كان أحمد بن موسى، وهو أحد الأبناء الثلاثة للفلكي البارع موسى بن شاكر، أحد أهم الميكانيكيين البارعين في عصر المأمون، فقد قدم مع أخوته الثلاثة قياسات مثيرة للإعجاب في علوم شتى. فتناول هذا الرجل بالبحث الدقيق موضوعات في علم الميكانيكا لم يستطع أحد حلها إلا أخوه محمد وبعض من السابقين.الذين اهتموا بالتركبيات ذات الغاية وبالآلات المتحركة تلقائياً، وكتابه (الشامل في التركيبات ذات الغاية) استقبل من قبل العلماء البارعين في هذا العلم بالإعجاب الشديد والإكبار العظيم. وكان من أكثر الأمور عجباً وغرابة تلك المخيلة الخلاقة المبدعة التي كانت لا تفتأ تقدم بدون كلل أو ملل الاختراعات العلمية ذات المنفعة البيتية التي تحسد عليها كل ربة بيت حديثة وكل فلاح ريفي. هذه العبقرية التي تقدم ألعاباً ميكانيكية رائعة يجد فيها الطفل حتى يومنا هذا سلوته وفرحه، فهناك معلف لا يشرب منه إلا الحيوانات الصغيرة، وهناك خزانات للحمامات بوسع المرء أن يفرغ منها كميات معينة من السوائل يعقب كل كمية لحظة استراحة. وثمة آلات لتعيين كثافة السوائل، وتركيبات تبيح للأوعية أن تمتلئ تلقائياً كلما فرغت، وزجاجات تفرغ منها حسب الحاجة كميات معينة من السوائل، وقناديل ترتفع فيها الفتائل تلقائياً ويصب فيها الزيت تلقائياً ولا تطفئ الرياح ضوءها. وهناك آلة تحدث صوتاً من ذاتها كلما ارتفع الماء إلى حد ما في الحقول، وأنواع كثيرة من النافورات المائية التي تظهر دوماً صوراً متعددة بمياهها الفوارة.
ووضع احمد مع اخيه محمد ساعة نحاسية كبيرة الحجم وقام بأدق الحسابات الفلكية لأجل تصميمها مستفيداً من حسابات أخيه الفلكي البارع محمد بن موسى، وسخر تلك الحسابات المدهشة والمعقدة لصنع آلات حساسة أكثر دهشة هي بالفعل معجزات فنية تقنية لم يستطع الطبيب ابن ربان الطبري من أن يمنع دهشته وإعجابه بما رأى في مرصد الأخوين محمد وأحمد ابني موسى بن شاكر. فتراه يصف تلك الدهشة بقوله: ( وفي مرصد سامراء رأيت آلة بناها الأخوان محمد وأحمد ابنا موسى، وهي ذات شكل دائري تحمل صور النجوم ورموز الحيوانات في وسطها وتديرها قوة مائية، وكان كلما غاب نجم في السماء اختفت صورته في اللحظة ذاتها في الآلة، وإذا ما ظهر نجم في قبة السماء ظهرت صورته في الخط الأفقي من الآلة)([1]).
وقد تميز عمل بني موسى في الثقة التي يولونها لاستخدام الصمامات المخروطية معتبرين إياها جزء مكمل للأنظمة الهيدرولية، كما تظهر أعمالهم تضلعاً تجريبياً مدهشاً في استخدام تغييرات بسيطة في الضغط الهيدروستاتي والإيروستاتي من اجل إنتاج أعمال مميزة().
وكان أهم عنصر يميز اعمال أولاد موسى والجزري هو إبداعهم في قضية التحكم بنقل الطاقة واستهلاكها التي كانت بحق العنصر الأساس الذي اعتمد عليه من أتى بعدهم وقدم للبشرية أروع المخترعات([3]).
هناك مؤلف مهم للغاية كتبه المرادي في إسبانيا في القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي، ولكن المخطوطة الوحيدة التي تم وصلتنا كانت تالفة للغاية بحيث يصعب معها استنتاج طريقة لصناعة الآلات الرائعة التي وصفت في هذا المؤلف الذي تضمن المؤلف 31 جهازاً مختلفاً منها 19 ساعة متنوعة التصميم كالساعات المائية الضخمة، الساعات الزئبقية، وسلسلة الأبواب الموضوعة على صف واحد التي تفتح بفواصل زمنية منتظمة لإظهار تماثيل صغيرة. كذلك تضمن المؤلف الطواحين المائية وماكنات رفع المياه وآلات فلكية متنوعة. لكن أهم شيء ظهر في مؤلف المرادي هذا هو تلك التقنية الرائعة التي اعتمدت أول نموذج لآلية مركبة تستخدم لنقل مزدوجة التواء كبيرة، وكذلك ما ورد في الكتاب يعتبر الوصف الأول الذي نمتلكه لآليات بترس قطاعي وترس دويري فوقي، بينما ظهرت تلك النماذج الميكانيكية المعقدة في أوربا لأول مرة على يد جيوفاني دو دوندي (Geovani de Dondi ) عام 1365م التي حتماً كانت قد اعتمدت على أفكار وتقنيات المرادي الأندلسي تلك().
كان الجزري تقنياً رائعاً له مآثر عظيمة في مجال التقنيات الميكانيكية، ويمكن اعتبار مؤلفه (الحيل في الفنون الغربية) كموجز وقمة في الإنجازات الإسلامية في هذا الميدان. إذ لم يترك أية آلة وتقنية عرفت في أسلافه من أهل الشرق والغرب إلا ووضع لها أصول ونماذج مع تطويرات وابتكارات جديدة. فهناك الساعات المختلفة الأصناف، المضخات وآلات رفع المياه وأمور أخرى كثيرة.
واحدة من أجمل الساعات التي وصفها هي الساعة الفيلية، وكذلك قدم الجزري نظام (الترجهار) الذي يقدم نظام توقيت رائع ليستخدمه المزارعون للري اعتماداً على ميكانيكية مائية مدهشة. وكذلك قدم الجزري آلات وماكنات جديدة كساعات خشبية براميلها من الجوز والعناب ولها 12 حجرة مجهزة فيما بينها ثقوب صغيرة يمر الزئبق من خلالها،و التي استخدمها الإسبان فيما بعد([5]).
ولعل مضخة المكبس ( piston cylinder) التي اخترعها بديع الزمان الرزاز الجزري تعتبر من أروع المخترعات التي فتحت للبشرية طريقاً كبيراً في عملية تحويل ونقل الطاقات. فعندما جاء عصر البخار الذي يتمثل في صناعة القطار والمراكب البخارية.. ثم تلاه عصر البنزين الذي يتمثل في محرك السيارة والطائرة، كانت الفكرة الأساسية التي اعتمد عليها المخترعون لتحويل الطاقة إلى قوة محركة هي فكرة إسلامية أصلاً، أنها المضخة الماصة الكابسة،التي اخترعها المهندس المسلم وعالم الميكانيكا الجزري، وأورد لها وصفاً دقيقاً مزوداً بالصور العلمية التوضيحية الملونة في كتابه المعروف "الحيل الجامع بين العلم والعمل " وقد ترجم هذا الكتاب عدة مرات إلى كل اللغات الأوروبية تحت اسم (الحيل الهندسية).
ومضخة الجزرى عبارة عن آلة من المعدن تدار بقوة الريح أو بواسطة حيوان يدور بحركة دائرية، وكان الهدف منها أن ترفع المياه من الآبار. العميقة إلى أسطح الأرض، وكذلك كانت تستعمل في رفع المياه من منسوب النهر إذا كان منخفضاً إلى الأماكن العليا مثل جبل المقطم في مصر وقد جاء في المراجع أنها تستطيع ضخ الماء إلى أن يبلغ ثلاثة وثلاثين قدماً، أي حوالي عشرة أمتار وهو ما يعادل ارتفاع مبنى يتألف من ثلاثة أو أربعة طوابق، وتنصب المضخة فوق سطح الماء مباشرة بحيث يكون عمود الشفط مغموراً فيه، وهي تتكون من ماسورتين متقابلتين في كل منهما ذراع يحمل مكبساً اسطوانياً، فإذا كانت إحدى الماسورتين في حالة كبس (اليسرى) فإن الثانية تكون في حالة شفط، ولتأمين هذه الحركة المتقابلة المضادة في نفس الوقت يوجد قرص دائري مسنن قد ثبت فيه كل من الذراعين بعيداً عن المركز، ويدار هذا القرص بوساطة تروس متصلة بعامود الحركة المركزي وهناك ثلاثة صمامات على كل مضخة تسمح باتجاه المياه من أسفل إلى أعلى ولا تسمح بعودتها في الطريق العكسي().
كل تلك المنجزات لم تكن لتتحقق لولا ما فتحه القرآن العظيم للفكر المسلم من آفاق التفكير الحر والخلاق فقام العلماء المسلمون بالتدبر في كتاب الله تعالى وكونه المنظور من جهة وكذلك قاموا بالاطلاع على تجارب الشعوب والأمم الأخرى وطوروا عليها من جهة أخرى.
ولعل أهم ما يذكر هنا من دور للقرآن الكريم في ترسيخ حقيقة علوم الميكانيك والحركة هو ما جاء في كتاب الله تعالى من آيات حول حركات الأجرام كالشمس والقمر والأرض وكذلك حركات السفن في البحار في تفاصيل رائعة والتي منها بدأ تحويل فهم تلك الحركات إلى أسس وقوانين رياضية كان لها الدور الأكبر في تشكيل وتصنيع تلك التقنيات الميكانيكية الرائعة().
كما إن الأخذ بالدعوة القرآنية لتدبر حركة الطيور وميكانيكية طيرانها (صافات ويقبضن) في قوله تعالى : )أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ) (الملك:19) وما شاكلها من الآيات الكريمات جعلت من العالم التجريبي الأندلسي المسلم عباس بن فرناس أول من طبق تقنية الطيران للبشر ودفع بنفسه ضحية لتجاربه.