يقول تعالى: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُوراً وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ)، (يونس:5).. ويقول جل في علاه في آية أخرى: (وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً)، (الإسراء:12).. وهاتان الآيتان المباركتان تبينان فضل الله تعالى في خلق الأفلاك كالقمر والأرض والشمس وأهميتها وتقدير تتابع حركاتها جميعاً بشكل دقيق، كما تبينان أيضاً أهمية حسابات الزمن من خلال حسابات حركات تلك الأجرام السماوية لغرض الاستفادة منه في جميع العبادات والمعاملات التي يمر بها الناس في حياتهم اليومية.
نقف هنا على قوله تعالى في الآيتين الكريمتين: (...لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ..)، (...وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ...)، فاللام سببية و(تعلموا) فعل يدل على الحضّ على العلم والتعلم، ولكن تعلم ماذا؟!
هنا بيت القصيد، إنه علم عدد السنين وحسابات الزمن المتأتية من دوران الأفلاك كالأرض والقمر والكواكب وحركات النجوم، إنه علم طبيعي فيزيائي فلكي حسابي هندسي، وهذا العلم كله حسابات دقيقة وعمليات رياضية وحركات هندسية دقيقة.
إنه العلم الطبيعي الوحيد الذي ذكر تصريحاً بل وتخصيصاً في الكتاب العزيز دون بقية العلوم الطبيعية، فأي شرف هذا؟!
أليس هذا الشرف يشابه تشريف الصحابي الجليل زيد بن حارثة وهو الصحابي الجليل الوحيد الذي ذكر تصريحاً وبالاسم دون غيره من بقية الصحابة الأجلاء رضي الله عنهم أجمعين؟!.
أليس من حق هذا العلم أن يتفاخر بين بقية العلوم ليقول لهم: (أنا العلم الوحيد الذي شرفه الله تعالى بالاسم وحض على تعلمه)، تماماً كما افتخرت أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها بين بقية أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بعد نزول قوله تعالى: (وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَراً زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَراً وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً)، (الأحزاب:37)، بقولها : (زوجكن أهاليكن وزوجني الله تعالى من فوق سبع سموات).
فمن ذا الذي يأتي بعد هذا القول الفصل ليقول إن الحساب والرياضيات والعدد والهندسة هذه طلاسم غريبة عن الإسلام ودين الإسلام وكتاب الإسلام ونبي الإسلام؟!.. وإن العاملين بهذه العلوم في كتاب الله شأنهم كشأن السحرة والمنجمين.
أما من يتذرع بحديث (نحن امة امية لا نكتب ولا نحسب، الشهر عندنا هكذا وهكذا..)، الحديث()، وهو حديث صحيح، فإن حجته داحضة لأن النبي عليه الصلاة والسلام إنما ذكر توصيف لحال الأمة آنذاك ولم يأمر بأن تبقى الأمة على هذا الحال، وإلا لو سلمنا بهذا الفهم الخاطئ لكان ذلك يقتضي ألا نكتب كذلك وليس لا نحسب فقط لأن نص الحديث فيه لا نكتب ولا نحسب واللا هنا ليست ناهية آمرة بعدم الفعل ولا نافية للفعل المستقبلي إنما هي نافية للفعل الحاضر وقتذاك حسب. فهل من عاقل يقول أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يأمر أمته بعدم الكتابة وهي الأمة التي أمرت أول ما أمرت به أن تقرأ، وجاء امر الكتابة في كتاب الله تعالى كثيراً، إذ يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهاً أَوْ ضَعِيفاً أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَوْ كَبِيراً إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةَ تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [البقرة: ٢٨٢].
إذن لو سلمنا بالرأي القائل أن الحديث معناه النهي عن الحساب فإنه يقتضي كذلك أنه ينهى عن الكتابة كذلك وفق متن ومنطوق الحديث الشريف، وهذا مناقض لقول الله تعالى في الآية السابقة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً....)، الآية، فهل هذا معناه أن قول النبي عليه الصلاة والسلام – حاشاه- يناقض قول الله تعالى؟!
الجواب بالتأكيد لا، بل المعنى الصحيح للحديث هو توصيف حال الأمة وقت التنزيل وليس فيه أي نهي عن تعلم الكتابة والحساب، بل إن الآيات السابقات [ (يونس:5)، و(الإسراء:12) اللتان تحويان قول الله تعالى (...لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ..)، (...وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ...)]، تحثان على تعلم الحساب والهندسة تخصيصاً كما أسلفنا. لكن ماذا نفعل لقاصري العقول والأفهام ممن ملأوا الدنيا صراخاً بفهمهم الناقص والمجتزأ لنصوص الآيات والأحاديث!
إن آيات الإحصاء كثيرة جداً في كتاب الله تعالى مثل قوله جل وعلا: (لقد أحصاهم وعدهم عداً)، (أحصاه الله ونسوه)، (وأحصى كل شيء عدداً)، [الآيات]، وغيرها من الأيات الكريمات.
ولعل القاعدة القرآنية العظيمة في الوسطية تتبين بشكل واضح وجلي في قوله تعالى:)وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ) [البقرة: 143].
وقوله تعالى (أمة وسطاً ) توضح الوسطية بكل مفاهيمها اللغوية والاصطلاحية بل وحتى الرياضية. ومعلوم أن من معاني الوسطية في اللغة الاعتدال والاتزان والتوازن والعدل فضلاً عن وسطية المكان والموقع، ومن هذا.يبين لنا المفهوم الإحصائي الأساسي الذي أسّسه القرآن ألا وهو الوسط الحسابي والمعدل كما يعرف عند أهل الرياضيات والإحصاء والهندسة، خصوصاً إذا ما علمنا أن عدد آيات سورة البقرة هي 286 وأن هذه الآية تحمل التسلسل 143 وهو ما يعني بالضبط المعدل أو الوسط الحسابي أو وسطية هذه الآية من الناحية الرياضية ضمن آيات سورة البقرة.