الصفحة الرئيسية  ::  مقالات في الإعجاز  ::  مقالات عامة  ::  مكتبة التحميل  ::  المشاريع  ::  تسجيل  ::  بحث



مقالات في الإعجاز

 
    أخبر صديق           صفحة جاهزة للطباعة

لننظر إلى الإبل كيف خلقت.. المضادات الحيوية للجمال أذهلت العلماء


التاريخ: 05/02/2010
الكاتب: الدكتور خالد العبيدي

لقد بينت البحوث الحديثة الخاصة بالجمال أنها فعلاً حيوانات عجيبة ومتفردة الخصائص، إذ تبين لنا أن هذه الحيوانات الغريبة تختلف كثيراً عن الحيوانات الأخرى في صفاتها المظهرية والفسلجية والإنتاجية

لننظر إلى الإبل كيف خلقت.. المضادات الحيوية للإبل أذهلت العلماء

د. خالد العبيدي

لقد بينت البحوث الحديثة الخاصة بالجمال أنها فعلاً حيوانات عجيبة ومتفردة الخصائص، إذ تبين لنا أن هذه الحيوانات الغريبة تختلف كثيراً عن الحيوانات الأخرى في صفاتها المظهرية والفسلجية والإنتاجية، وقد أودعها الله تعالى أسرار الحياة فتراها في بعض صفاتها تشبه الحيوانات الأخرى ولكن في صفات أخرى تختلف تماماً لتعلن عن فرديتها التامة في كثير من الأمور التي ما تزال الكثير منها غير واضح للعلماء والباحثين، وقد أصبحت مضرباً للأمثال وذلك لخصائصها العجيبة التي أصبحت دليلاً جوهرياً على وجود الخالق الذي جمع صفات عديدة في حيوان واحد مفيد للبشر([1])، واليكم التفاصيل:

 

الشكل ( 1) : الجمال وخلقها العجيب

1- إن شكل الجمل، أو الناقة، غريب لا يشبه شكل الحيوانات الأخرى، فهو كبير الحجم، مرتفع، ذو قوائم عالية، ورقبة طويلة تنتهي برأس صغير نسبياً، وهذه الحيوانات لبونة ومجترة، حيث تلتهم الطعام ثم تعيد اجتراره مرة أخرى. ولو نظرنا إليها نظرة فحص وتأمل لوجدنا أجزاء الجسم متباينة في الحجم حيث الآذان صغيرة والذيل صغير، ولكن كتلة الجسم كبيرة، والقوائم طويلة. وتعد الإبل من حيوانات الرعي حيث حباها الله تعالى بصفات وميزات تجعلها تستفيد من المراعي بكفاءة تفوق فيها جميع الحيوانات الأخرى وبخاصة في المراعي الفقيرة، وهذا ما نلاحظه في تأقلم الإبل على العيش في الصحاري ذات المراعي المجدبة. ومما هو معروف أن الصحارى تكثر فيها الرمال، وعند هبوب الرياح فإن ذرات الرمال تؤذي البشر والحيوانات ولكن الإبل تستطيع تحمل هذه الحالة، وذلك لعدة صفات جسمية، منها أن منطقة الأنف ذات نهايات ممتدة إلى الأمام وتستطيع أن تكيف هذه النهايات بحيث تصغر فتحة الأنف، ثم أن رموش العينين طويلة فضلاً عن ارتفاع الرأس عالياً إلى أكثر من مترين مما يجعل منطقة الرأس بعيدة عن ضربات ذرات الرمال المتحركة بفعل الرياح. والصفة الأخرى المهمة التي تمتاز بها الإبل هي تحملها للعطش
وقتاً طويلاً أو عند الجفاف حيث تعتمد على كميات قليلة جداً من الماء لسد حاجتها الفسلجية، فقد وجد أن اللبائن كافة، ومنها الإنسان، لا تستطيع تحمل فقدان ماء الجسم إلى أكثر من 10% حيث تتعرض للهلاك وتختل فعاليات الجسم كافة. أما الإبل فإنها تستطيع فقدان أكثر من 30% من ماء الجسم من دون حدوث اختلالات وظيفية في الجسم. وبعد العطش الشديد فإن الإبل تستطيع شرب كميات كبيرة من الماء خلال مدة قصيرة جداً من دون أن تتعرض لمخاطر تخفيف سوائل الجسم حيث يحدث ما يسمى بحالة التسمم بالماء للحيوان أو الإنسان الذي يشرب الماء الكثير بعد عطش شديد. وتفسير هذه الحالة هو أن الماء الذي تشربه الإبل بعد العطش الشديد يبقى في الكرش ولا يمتص بسرعة. وقد اكتشف أحد الباحثين قدرة الجمال على إبقاء الماء مدة 24 ساعة لاكتمال امتصاصه، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الكريات الحمراء في دم الإبل لها القدرة على مقاومة البلازما ناقصة التوتر الناجم عن شرب كميات كبيرة من الماء خلال مدة قصيرة لأن بطأ امتصاص الماء في القناة الهضمية لا يمنع من دخول الماء إلى الدم، بسرعة، في الإبل التي تتعرض إلى العطش الشديد([2]).

2- يكون استعمال الماء في تنظيم حرارة الجسم عند الإبل بكميات أقل من اللبائن الأخرى حيث أن المجال الحراري لدرجة حرارة الجسم في الإبل يكون كبيراً، ويبلغ المدى حوالي 7 درجات مئوية، ففي الصباح الباكر تكون درجة حرارة الجسم 34م، وترتفع خلال النهار حتى تصل إلى 41م، ثم تنخفض تدريجياً خلال المساء. أما في الحيوانات اللبونة الأخرى فإن حرارة الجسم تبقى ثابتة، وأي ارتفاع أو انخفاض في حرارة المحيط الخارجي يتطلب جهداً فسيولوجيا يستعمل فيه الماء للتغلب على اختلاف درجات حرارة البيئة والمحافظة على حرارة الجسم بمعدلها الطبيعي([3]).

3- تتكون المعدة في المجترات كالأبقار والجاموس والأغنام والماعز من أربعة تجاويف بينما في الإبل تتكون من ثلاثة تجاويف حيث يكون التجويف المسمى الوريقية (أم التلافيف) أثرياً، وتمتاز معدة الإبل وأمعائها باستيعاب كميات كبيرة من الماء أو السوائل تصل إلى حوالي ربع وزن الجسم، وهذا الماء يعد مستودعاً جيداً للسوائل التي يحتاجها الحيوان عند تعرضه للعطش خاصة إذا ما علمنا أن الإبل تعد أكثر الحيوانات اقتصاداً في استعمال الماء لفعاليات الجسم المختلفة، فقد وجد أن الماء الممتص في بعض أجزاء المعدة يعاد ضخهُ إلى الأجزاء الأخرى، وهذه الحالة تساعد الإبل كثيراً عند حصول الجفاف وقلة الماء في الصحراء على استمرار الوظائف المعدية العادية، بينما الأبقار مثلاً، إذا فقدت الماء مدة يومين فإنها لا تستطيع تناول الطعام لفقدانها الشهية نتيجة نضوب الماء –في الكرش- الضروري لخلق البيئة اللازمة للعمليات الهضمية، وفي الإبل وجد أنها تستطيع تحمل خمسين يوماً من غير ماء دون أن تفقد شهيتها([4]).

4- ومن الأمور العجيبة التي وجدت في الابل، أيضاً، قابليتها على بلع الطعام عند العطش مدة طويلة، ويعتقد أن بقاء الفم رطباً عند العطش في الإبل يرجع إلى استمرار إرسال الطعام من المعدة إلى الفم مما يسهم في بقاء الفم رطباً، وكذلك لوحظ وجود اليوريا في لعاب الفم بتركيز مرتفع عند العطش، ومن صفات اليوريا الاحتفاظ بالماء. لذلك نرى أن الحيوانات كافة، وكذلك الإنسان، لا تستطيع بلع الطعام عند العطش الشديد، ويحدث لها إحساس مؤلم بينما تستمر الإبل بتناول الأطعمة الجافة خلال أشهر الصيف الحار ومن دون ماء([5]).

5- يعد إنتاج الحليب في الإبل من أهم الفوائد التي يجنيها المربون البدو في الصحراء من تربيتهم لهذه الحيوانات لأنه مادة غذائية مهمة، وقد لوحظ أن الإبل إذا تركت تأخذ حاجتها من الماء بسهولة فإن محتوى الماء في حليب الإبل يبلغ 86%، أما إذا قننت كمية الماء المعطاة لها فإن محتواه في الحليب يزداد حتى يصبح 91%. لذلك نجد أن الإبل في أوقات الجفاف الشديد يكون حليبها مائي القوام، ويمتاز حليب الإبل أيضاً بأن محتواه من فيتامين C مرتفع قياساً إلى أنواع الحليب الأخرى وهذا له أهميته البالغة لسكان المنطقة الجافة التي لا تتوافر فيها مصادر نباتية يحصلون منها على احتياجاتهم من هذا الفيتامين الضروري([6]).

6- أما الصفات الفسلجية لدم الإبل، فإن بلازما الدم لديها تحتوي على تركيز عال من الألبومين المعروف بقدرته العالية على جذب الماء.ويعتقد بعض الباحثين أن الألبومين يلعب دوراً مهماً في تمكين الحيوانات الصحراوية من العيش عند تعرضها للحرارة والجفاف. والإبل التي تتعرض للجفاف تفقد 5% من حجم البلازما، وهو قليل جداً مقارنة بالحيوانات الأخرى. وقد وجد أن خلايا الدم الحمراء البيضوية الشكل في الإبل سرعان ما تصبح كروية عند الارتواء السريع بعد العطش. ويحتوي دم الإبل على عدد من خلايا الدم الحمراء أكثر من معظم اللبائن الأخرى حيث يحتوي المليمتر المكعب الواحد على 12.5 مليون خلية. وأشارت بعض الدراسات إلى أن خلايا الدم الحمراء في الإبل تنقل 50% من الأوكسجين أكثر من مثيلاتها من اللبائن الأخرى محسوبة على أساس وحدة الحجم، ويُعتقد أن ذلك يعود إلى المحتوى العالي من خضاب الدم لهذه الخلايا حيث يصل هذا المحتوى إلى 45% بالمقارنة مع 34% في الإنسان و35% في الأغنام والدجاج والكلاب([7]).

7- تستطيع الإبل، في ظروف الجفاف الصحراوي، خفض معدل التنفس وبالتالي ينخفض استهلاك الأوكسجين، مما يسبب تراكم غاز ثاني أو كسيد الكار بون في الدم، وهذا يتسبب في حدوث حالة Acidosis أي زيادة حموضة الدم، ولكن في الإبل يحدث ارتفاع قلوية الدم، وهذه القلوية تأتي من زيادة تركيز البيكاربونات في الدم، ويُعتقد أن الإبل تستفيد من البيكاربونات الموجودة في الأمعاء بوصفها مصدراً للمواد القلوية في الدم، وهناك كميات إضافية من البيكاربونات تعود إلى الدم من خلال الغدد اللعابية، ومن البديهي أن امتصاص البيكاربونات يترافق مع سحب كميات من الماء، وهذا له فائدة كبيرة للدم في ظروف قلة الماء([8]).

8- تمتلك الإبل خاصية إمكان غلق وفتح فتحتي المنخرين عند التنفس حيث تفتحان لمدة ثانية أو ثانيتين أثناء الشهيق ثم تغلقان لمدة 3-4 ثوان، وهذه الخاصية تمنع دخول ذرات الرمال والغبار أو الحشرات إلى الجهاز التنفسي فضلاً عن حماية الغشاء المخاطي الأنفي من الجفاف أثناء التنفس، وتوجد أيضاً تجاويف خاصة في بداية الجهاز التنفسي تسهم في ترطيب الهواء المستنشق، كذلك تسهم هذه التحويرات في تبريد الدم المار إلى أنحاء الجسم([9]).

9- وفيما يتعلق بفسلجة الكلية والجهاز البولي، فإن الإبل تستطيع تركيز بولها وفي بعض الأحيان لا تبول، وذلك اقتصاداً للماء المطروح مع الإدرار. ويزداد العجب إذا علمنا أن الإبل، وفي ظل ظروف الجفاف في الصحراء، تتناول النباتات المالحة ذات التركيز الملحي العالي. ومع ذلك يقل إدرارها، فهي تستفيد من العناصر المعدنية الموجودة في هذه النباتات المتناولة في فعاليات جسمها المختلفة([10]).

لكن ما يثير الغرابة حقاً بحوث أحدث جرت بعد ذلك، حصلت بعد عقد التسعينيات أثبتت أن الأجسام المضادة للجمال فريدة بحيث أن العلماء صعقوا بعد معرفتهم إياها لأنها ضربت عدة أمور بحجر واحد، فهي بينت لهم أن نظرية التطور تقف أمام تساؤل مهم هو لماذا هذا الشذوذ في تطور تلك الأجسام المضادة عن قريناتها من نفس العائلة والشعبة؟، وهي في نفس الوقت تفتح آفاق رحبة لعمليات الأمصال واللقاحات والمضادات التي تفيد البشر ولا تسبب لهم أية أعراض جانبية سلبية بل تقوي مناعتهم وتمنحهم فرص كبيرة للاستشفاء([11]).

فلقد توصل فريق بحثي ألماني لأن الأجسام المضادة للجمال فعالة لدرجة مذهلة في أكثر من اتجاه وكما نفصل أدناه.

عندما قام باحثون أحيائيون في جامعةِ  فريجي (Vrije ) في بروكسل بِالصُّدفَة باستبدال مصلَ جَملِ بقيةِ لمصلِ الفأرِ المتطلب في تجربة مختبراتهم، بوغتوا باكتشاف أذهلهم، لقد وجدوا أن أجسام الجَملَ المضادة كَانتْ أساساً مختلفة عن نظراءِها في الفأريات وفصيلتها (murine) ([12])

"نحن أُدهشنَا، "يقول العالم البلجيكي المتخصص في الكيمياء الحيويةِ سيرجي مايلدرمانز (Serge Muyldermans). فبدلاً من أنْ يَكُونَ متكوّن من إثنين من السلسلة الثقيلة من أشباه الوحدات (subunits) وإثنين من السلسلة الخفيفة لأشباه الوحدات ( subunits)، فإن أجسام الجَملَ المضادة لَها فقط سلسلتان ثقيلتانُ، مما يَجْعلُها أصغر حجماً وأدوم عمراً مِنْ الأجسام المضادةِ الاعتيادية النمطية ([13])

منذ أن ذَكرَ هذا الإكتشافِ أولاً في عام 1993 وأكثر مِنْ 130 بحث تم نشره في موضوع خصائص وصفات وامتيازات أجسام الجَملِ المضادةِ ومجالات الاستفادة منها واستعمالاتِها. تلك البحوث تضمنت الإختباراتَ التشخيصيةَ (diagnostic tests) وتجاربَ واختبارات الدفاعات الحيوية (biodefense assays). واليوم على الأقل شركتان تُحاولانِ تَطوير المُنتَجاتِ السريريةِ التي تستعمل الأجسام المضادةَ مِنْ الجِمالِ أَو الأنواعِ ذات العلاقةِ، مثل حيوانات اللامة (llamas) وهي تشبه الجمل وتعيش في أمريكا الجنوبية وكذلك حيوانات الألبكة (alpacas) ([14]).

يَقُولُ العالم البلجيكي المتخصص في الكيمياء الحيويةِ سيرجي مايلدرمانز (Serge Muyldermans). أن هذه الأجسام المضادةِ عند الإبل تُشكّلُ أخطارَ أقل على البشرِ مِنْ الأجسام المضادةِ المكافئة للحيواناتِ الأخرى، فهي تقاوم درجاتِ الحرارة المرتفعةِ، قابلة للذوبان جداً، ويُمْكِنُها اختراق طبقاتِ الخليةِ في النسيجِ لوُصُول أهدافِها بسرعة أكبر مِنْ الأجسام المضادةِ الطبيعية المكافئة الأخرى ([15])

وبسبب تلك الخصائص المناعية والدفاعية الممتازة وخصائص أخرى غيرها، فإن شركات الأدوية تَستعملُ أجسام الجَملِ المضادةَ لتعجيل الشفاء والإسْراع في تعريفِ أدلّةِ التداوي. وفي جامعةِ ميونخ في ألمانيا، قامت مجموعة هينريخ ليونهارد (Heinrich Leonhardt’s) بعملية دمج علاماتَ مشعةَ إلى أجزاءِ أجسام الإبل المضادِة واستعملتها لإسْتِهْداف وتَتَبُّع الجزيئاتِ في معيشة الخلايا الحية ([16])

جَذبتْ مقاومةُ حرارةَ أجسام الجمل المضادةِ هذه إهتمام المختبرِ البحريِ الأمريكيِ والمؤسسةِ الجنوبية الغربيةِ للبحثِ الطبي الحيويِ (the U.S. Naval Laboratory and the Southwest Foundation for Biomedical Research)، وهم يَختبرونَ الأجسام المضادةَ للإبل والجمال في متحسسات حيوية (biosensors) صمّمتْ لاكتِشاف وكلاءِ الإرهاب الحيوي في البيئاتِ الحارةِ. كما تقوم مجموعة بحثية أخرى في مدرسة للطبِّ في جامعة واشنطن بسانت لويس، ميسسوري (Washington University School of Medicine in St. Louis, Missouri) باستعمال الأجسام المضادةَ لتَطوير إختبار بسيط لقيَاْس محتوى كافايينَ الأشربةِ الحارةِ ([17])

أولريك ويرني (Ulrich Wernery) من مختبرِ بحثِ دبي المركزي البيطري (Dubai’s Central Veterinary Research Laboratory)، يُخمّنُ بأنّ الجِِمالِ والإبل طوّرتْ أجسام مضادةَ مقاومة للحرارةَ للبَقاء في شروطِ الصحراءِ القاسيةِ. لكن العالم البلجيكي المتخصص في الكيمياء الحيويةِ سيرجي مايلدرمانز (Serge Muyldermans) يتساءل ويتعجب حاله حال بقية العلماءَ فهم لا يَعْرفونَ حقاً لِماذا الحيواناتَ لَها مثل هذه الأجسام المضادةِ الشاذّةِ؟!، ويخمنون أنها من المحتمل نَتجتْ مِنْ التغيراتِ قبل حوالي 50 مليون سنة، بعد انفصلت شعبة الجمليات مِنْ فصيلة المجتراتِ والخنازيرِ([18])

حصل تطبيق غير عادي واحد مِنْ الأجسام المضادةِ للجمال مِنْ مختبرِ ويرني (Wernery’s lab)، حيث استعملت الجِمال لإنْتاج الأجسام المضادةِ ضد سمِّ الحيواناتِ السامّةِ. يَحْصلُ الباحثونُ على antivenin بتَعْرِيض مجموعة مِنْ 15 جَملِ للتسمّم مِنْ الكوبرا (cobras) والأفاعي الباصقة (spitting vipers)، وأفاعي سامّة أخرى. بَعْض الناسِ عِنْدَهُمْ ردودُ أفعال حادّةُ إلى مضادات السموم (antivenins) التقليدية المنتجة في الخيولِ، لكن ويرني (Wernery) يَقُولُ : " ليس هناك مشكلة في حالة الإبل والجمال لمضادات السموم (antivenins)."، والتجربة الطبيَّةَ الأولى محدَّدة لها السنة القادمةُ في نايجيريا([19]).

إذن، كل جزء من أجزاء جسم هذه الحيوانات الرائعة تنبؤنا بفوائد كثيرة، بدءاً من لحمها ولبنها، مروراً بوبرها وجلودها، ثم روثها السمادي المفيد للنبات، وانتهاءاً بأحشاءها وخلاياها الداخلية التي فيها تلك المضادات الحيوية الرائعة. بل وحتى أبوالها التي هي عند الكثيرين نجاسة مستقذرة كما أنبأ المصطفى عليه الصلاة والسلام مما نبين لاحقاً.

وهنا تتجلى أمامنا روعة تطابق ما توصل له العلم الحديث في ما يخص تلك الحيوانات المبهرة -الإبل والجمال- مع ما كان من اهتمام قرآني ونبوي فيها، فآية خلق الله تعالى في الجمال توجزها آية تحث على البحث والتدبر والتفكر وهي قوله تعالى: ﴿ أَفَلَا يَنظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ {17} ﴾ [الغاشية: 17].

والمتأمل للآية الكريمة يجد أن اختيار المولى، جل وعلا وتقدس، لهذا الحيوان ليضرب به المثل يبعث على الاستغراب في البداية أو على الأقل اعتبار الأمر عادياً باعتباره حيواناً مألوفاً في بيئة التنزيل وهي الصحراء، لكنه في الحقيقة هي دعوة تأملية لعالم الحيوان الكبير والعجيب بأسره ومن خلاله خصوصية هذا الحيوان العجيب. فكلمة (كيف) في الآية يقصد منها الاستقصاء والبحث المتمحص الدقيق في خفايا وأسرار هذه الكائنات عموماً وهذا الكائن الصحراوي خصوصاً، فمن فهم هذا من علماء الأمة تراه قد غاص في علوم الحيوان وتفاصيلها وهم كثر، ومن رأى فيها مثلاً عاماً أخذ الأمر على عمومه ولم يفصل، وفي كل خير. لكن الفريق الأول هو الأجدر لأنه أخذ بأسرار لغة العرب في كلمة (كيف) هذه، ولعل الآيات اللاحقة لها تبين أنها دعوة العليم العلام للأخذ بأسباب العلم والبحث في كل مجالات العلوم والتقانات، في الفلك والأرض والبيئة والبحار والجيولوجيا وغيرها ([20])، كي تكون أمة المسلمين عزيزة مصانة مهابة لكن الواقع يقول ان غير المسلمين اليوم هم من أخذوا الراية من أسلافنا العظماء وعلماءنا الأجلاء من السابقين الذين فهموا المقاصد بينما نظل نحن اليوم أسارى امور تافهة لا معنى لها ونزاعات وتعصب أهوج أعمى أفقدنا ريحنا وقوتنا ففشلنا كما بين لنا المولى عز وجل.

أما في ما جاء في الاستشفاء من لبن الإبل وبولها فهذا سبق إسلامي نبوي عجيب.. لنتأمل!

جاء في كتب الصحاح من حديث الشيخين عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَدِمَ أُنَاسٌ مِنْ عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنَةَ فَاجْتَوَوْا الْمَدِينَةَ فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلِقَاحٍ وَأَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا فَانْطَلَقُوا فَلَمَّا صَحُّوا قَتَلُوا رَاعِيَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْتَاقُوا النَّعَمَ فَجَاءَ الْخَبَرُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ فَبَعَثَ فِي آثَارِهِمْ فَلَمَّا ارْتَفَعَ النَّهَارُ جِيءَ بِهِمْ فَأَمَرَ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسُمِرَتْ أَعْيُنُهُمْ وَأُلْقُوا فِي الْحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ فَلَا يُسْقَوْنَ. قَالَ أَبُو قِلَابَةَ فَهَؤُلَاءِ سَرَقُوا وَقَتَلُوا وَكَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَحَارَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ([21]).

وعن بن مرزوق عن أبو عاصم عن عثمان بن الأسود عن عطاء قال: قالت عائشة رضي الله عنها : اللهم لا تشف من استشفى بالخمر قالوا فلما ثبت بهذه الآثار أن الشفاء لا يكون فيما حرم على العباد ثبت بالأثر الأول الذي جعل النبي صلى الله عليه وسلم بول الإبل فيه دواء أنه طاهر غير حرام وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك أيضا ([22])

و عَنْ طَارِقِ بْنِ سُوَيْدٍ الْحَضْرَمِيِّ قَالَ : قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ , إنَّ بِأَرْضِنَا أَعْنَابًا نَعْتَصِرُهَا , فَنَشْرَبُ مِنْهَا , قَالَ : لاَ فَرَاجَعْته فَقَالَ : لاَ. فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ , إنَّا نَسْتَشْفِي بِهَا الْمَرِيضَ قَالَ : ذَاكَ دَاءٌ , وَلَيْسَ بِشِفَاءٍ وَكَمَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَغَيْرُهُ , مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ j. حَدَّثَنَا ابْنُ مَرْزُوقٍ، قَالَ : حَدَّثَنَا وَهْبٌ، قَالَ : حَدَّثَنَا شُعْبَةُ , عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ , عَنْ أَبِي الأَحْوَصِ قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ : مَا كَانَ اللَّهُ لِيَجْعَلَ فِي رِجْسٍ , أَوْ فِيمَا حَرَّمَ , شِفَاءً. حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ نَصْرٍ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ , عَنْ عَاصِمٍ , عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ : اشْتَكَى رَجُلٌ مِنَّا فَنُعِتَ لَهُ السُّكْرُ , فَأَتَيْنَا عَبْدَ اللَّهِ فَسَأَلْنَاهُ , فَقَالَ : إنَّ اللَّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ. حَدَّثَنَا ابْنُ مَرْزُوقٍ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ , عَنْ عُثْمَانَ بْنِ الأَسْوَدِ ,

عَنْ عَطَاءٍ قَالَ : قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها " اللَّهُمَّ لاَ تَشْفِ مَنْ اسْتَشْفَى بِالْخَمْرِ ". قَالُوا : فَلَمَّا ثَبَتَ بِهَذِهِ الآثَارِ أَنَّ الشِّفَاءَ لاَ يَكُونُ فِيمَا حُرِّمَ عَلَى الْعِبَادِ , ثَبَتَ بِالأَثَرِ الأَوَّلِ الَّذِي جَعَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بَوْلَ الإِبِلِ فِيهِ دَوَاءً , أَنَّهُ طَاهِرٌ غَيْرُ حَرَامٍ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي ذَلِكَ أَيْضًا مَا حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ([23]).

ولقد أشكل على الناس كيف يكون من الأبوال النجسة شفاء؟! والحقيقة أن هذا الأمر فصل فيه أهل العلم قديماً وخصوصاً أهل متون الحديث وشروحه، فلنتأملها سوية:

1-   جاء في عمدة القاري شرح صحيح البخاري: ((هذا باب في بيان حكم أبوال الإبل إلى آخره إنما جمع الأبوال لأنه ليس المراد ذكر حكم بول الإبل فقط بل المراد بيان حكم بول الإبل وبول الدواب وبول الغنم ولكن ليس في البا إلا ذكر بول الإبل فقط ولا واحد للإبل من لفظها وهي مؤنثة لأن أسماء الجموع التي واحد لها من لفظها إذا كانت لغير الآدميين فالتأنيث لها لازم وقد تسكن الباء فيه للتخفيف والجمع آبال والدواب جمع دبة وهي في اللغة اسم لما يدب على وجه الأرض فيتناول سائر الحيوانات وفي العرف اسم لذي الأربع خاصة وقال الكرماني المراد ههنا معناه العرفي وهو ذوات الحوافر يعني الخيل والبغال والحمير قلت ليس معناه العرفي منحصرا في هذه بل يطلق على كل ذي أربع والبخاري لم يذكر في هذا الباب إلا حديثين أحدهما يفهم منه حكم بول الإبل والآخر يفهم منه جواز الصلاة في مرابض الغنم فعلى هذا ذكر لفظه الدواب لا فائدة فيه وقال بعضهم ويحتمل أن يكون من عطف العام على الخاص قلت هو كذلك فأي شيء ذكر الاحتمال فيه وفيه عطف الخاص على العام أيضا وهو عطف الغنم على الدواب قوله ومرابضها بالجر عطف على قوله والغنم وهو جمع مربض بفتح الميم وكسر الباء الموحدة من ربض بالمكان

يربض من باب ضرب يضرب إذا ألصق به وأقام ملازما له والمربض المكان الذي يربض فيه والمرابض للغنم كالمعاطن للإبل وربوض الغنم كبروك الجمل وقال بعضهم المربض بكسر الميم وفتح الموحدة قلت هو غلط صريح ليس لقائله مس بالعلوم الادبية والضمير في مرابضها يرجع إلى الغنم وقال بعضم الضمير يعود على أقرب مذكور قلت هذا قريب مما قلنا: فان قلت ما وجه مناسبة هذا الباب بما قبله قلت يجوز أن يكون من حيث إن كلا منهما يشتمل على شيء وهو نجس في نفسه على قول من يقول بنجاسة المني ونجاسة بول الإبل وعلى قول من يقول بطهارتهما يكون وجه المناسبة بينهما في كونهما على السواء في الطهارة، وصلى أبو موسي رضي الله عنه في دار البرهيده والسرقين والبرية إلى جنبه فقال ههنا وثم سواء. هذا الاثر وصله أبو نعيم شيخ البخاري في كتاب ( الصلاة ) له قال حدثنا الأعمش عن مالك بن الحارث هو السلمي الكوفي عن أبيه قال صلى بنا أبو موسى في دار البريد وهناك سرقين الدواب والبرية على الباب فقالوا لو صليت على الباب فذكره وهذا تفسير لما ذكره البخاري معلقا وأخرجه ابن أبي شيبة أيضا في ( مصنفه ) فقال ثنا وكيع الأعمش عن مالك بن الحارث عن أبيه قال كنا مع أبي موسى في دار البريد فحضرت ال

صلاة فصلى بنا على روث وتبن فقلنا لا نصلي ههنا والبرية إلى جنبك فقال البرية وههنا سواء وقال ابن حزم روينا من طريق شعبة وسفيان كلاهما عن الأعمش عن مالك بن الحارث عن أبيه قال صلى بنا أبو موسى على مكان فيه سرقين وهذا لفظ سفيان وقال شعبة روث الدواب قال ورويناه من طريق غيرهما والصحراء أمامه وقال ههنا وهناك سواء وأبو موسى الاشعري اسمه عبد الله بن قيس تقدم في باب أي الإسلام أفضل قوله في دار البريد وهي دار ينزلها من يأتي برسالة السلطان والمراد من دار البريد ههنا موضع بالكوفة كانت الرسل تنزل فيه إذا حضروا من الخلفاء إلى الأمراء وكان أبو موسى رضي الله تعالى عنه أميرا على الكوفة في زمن عمر وفي زمن عثمان رضي الله عنهما وكان الدار في طرف البلد ولهذا كانت البرية إلى جنبها والبريد بفتح الباء الموحدة المرتب والرسول وإثنا عشر ميلا قاله الجوهري قوله والسرقين بكسر السين المهملة وسكون الراء هو الزبل وحكى فيه ابن سيده فتح أوله وهو فارسي معرب ويقال له السرجين بالجيم وهو في الأصل حرف بين القاف والجيم قرب من الكاف قوله والبرية بتشديد الياء آخر الحروف الصحراء قال صاحب ( المحكم ) هي منسوبة إلى البر والجمع البراري قوله جنبه الجنب والجان

ب والجنبة الناحية ويقال قعدت إلى جنب فلان وإلى جانب فلان بمعنى قوله وثم بفتح الثاء المثلثة وتشديد الميم وهو اسم يشار به إلى المكان البعيد نحو وأزلفنا ثم الآخرين ( الشعراء 64 ) وهو ظرف لا يتصرف فلذلك غلط من أعربه مفعولا لرأيت في قوله تعالى واذا رأيت ثم رأيت ( الإنسان 20 ) قوله سواء يعني في صحة الصلاة ثم اعلم أن قوله والسرقين يجوز أن يكون معطوفا على الدار وعلى البريد قال الكرماني ويروى بالرفع ولم يذكر وجهه قلت وجه أن يكون مبتدأ وقوله والبرية بالرفع عطف عليه. وقوله الى جنبه خبره ويكون محل الجملة النصب على الحال وعلى تقدير جر السرقين يكون ارتفاع البرية على الابتداء وما بعده خبره والجملة حال أيضا وفاعل قال أبو موسى رضي الله تعالى عنه قوله ههنا اسم موضع ومحله رفع على الابتداء وثم عطف عليه وخبره قوله سواء يعني أنهما متساويان في صحة الصلاة قال ابن بطال قوله أبوال الإبل والدواب وافق البخاري فيه أهل الظاهر وقاس بول ما يكون مأكولا لحمه على بول الإبل ولذلك قال وصلى أبو موسى في دار البريد والسرقين ليدل على طهارة أرواث الدواب وأبوالها ولا حجة له فيها لأنه يمكن أن يكون صلى على ثوب بسطه فيه أو في مكان يابس لا تعلق به نجاسة و

قد قال عامة الفقهاء إن من بسط على موضع نجس بساطا وصلى فيه إن صلاته جائزة ولو صلى على السرقين بغير بساط لكان مذهبا له ولم تجز مخالفة الجماعة به وقال بعضهم نصرة للبخاري وردا على ابن بطال وأجيب بأن الأصل عدمه وقد رواه سفيان الثوري في ( جامعه ) عن الأعمش بسنده ولفظه صلى بنا أبو موسى على مكان فيه سرقين وهذا ظاهر في أنه بغير حائل قلت الظاهر أنه كان بحائل لأن شأنه يقتضي أن يحترز عن الصلاة على عين السرقين ثم قال هذا القائل وقد روى سعيد بن منصور عن سعيد بن المسيب وغيره أن الصلاة على الطنفسة محدث إسناده صحيح، قلت أراد بهذا تأييد ما قاله ولكنه لا يجديه لأن كون الصلاة على الطنفسة محدثة لا يستلزم أن يكون على الحصير ونحوه كذلك فيحتمل أن يكون أبو موسى قد صلى في دار البريد والسرقين على حصيرا ونحوه وهو الظاهر على أن الطنفسة بكسر الطاء وفتحها بساط له خمل رقيق ولم يكونوا يستعملونها في حالة الصلاة كاستعمال المترفين إياها فكرهوا ذلك في الصدر الأول واكتفوا بالدون من السجاجيد تواضعا بل كان أكثرهم يصلي على الحصير بل كان الأفضل عندهم الصلاة على التراب تواضعا ومسكنة)).. انتهى ([24])

2-   حديث الباب من حيث طهارة الأبوال فبأنه محمول على التداوي، وفي قانون ابن سينا : أن لبن الإبل يفيد الاستسقاء، وفي كلام بعض الأطباء : إن رائحة بول الإبل يفيد لمرض الاستسقاء، وحسَّن ابن حزم الأندلسي هذا الجواب، ذكره في عمدة القاريء([25]).

3-    قيل : وقع الترخيص في إصابة بول الإبل للتداوى لهؤلاء خاصة ذلك في صَدْرِ الإسلام ثم نسخ. وقيل : للمتداوى أن يصيبه كأكْل الميتة لكَسْر عادية الجوع ([26]).

4-    وقد أباح التداوي بها عند الضرورة بعضهم واحتج في ذلك بإباحة رسول الله صلى الله عليه وسلم لعرينة التداوي بأبوال الابل وهي محرمة إلا أنها لما كانت مما يستشفي بها في بعض العلل رخص لهم في تناولها.. قال الخطابي قد فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الأمرين اللذين جمعهما هذا القائل فنص على أحدهما بالحظر وعلى الاخر بالإباحة وهو بول الابل، والجمع بين ما فرقه النص غير جائزا([27])

5-    عارضهم الأولون، فقالوا : محال أن يأمرهم ( صلى الله عليه وسلم ) بشرب أبوالها وهى نجسة، لأن الأنجاس محرمة علينا، وقد سئل ( صلى الله عليه وسلم ) عن الاستشفاء بالخمر، فقال : تمت ذلك داء، وليس بشفاء -. وقال ابن مسعود : ما كان الله ليجعل فيما حرم شفاء. فثبت أن بول الإبل الذى جعله دواء، أنه طاهر غير محرم. قاله الطحاوى. وقال ابن القصار : ومن جهة النظر أنا قد اتفقنا أن ريق ما يؤكل لحمه وعرقه طاهر، والمعنى فيه أنه مائع مستحيل من حيوان مأكول اللحم ليس بدم ولا قيح، فكذلك بوله. وذهب ابن علية، وأهل الظاهر إلى أن بول كل حيوان، وإن كان لا يؤكل لحمه طاهر غير ابن آدم. وروى مثله عن الشعبى، ورواية عن الحسن، وخالفهم سائر العلماء. وقول البخارى فى الترجمة : تمت باب أبوال الإبل والدواب -. وافق فيه أهل الظاهر، وقاس أبوال ما لا يؤكل لحمه على أبوال الإبل ولذلك قال : تمت وصلى أبو موسى فى دار البريد، والسرقين -، ليدل على طهارة أرواث الدواب وأبوالها، ولا حجة له فيه بينة، لأنه يمكن أن يصلى فى دار البريد على ثوب بَسطه فيه، أو فى مكان يابس لا تعلق به نجاسة منه. وقد قال عامة الفقهاء : إن من بسط على موضع نجس بُساطًا وصلى عليه أن صلاته جائزة ([28]).

6-   قال الخطابي قد فرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بين الأمرين اللذين جمعهما هذا القائل فنص على أحدهما بالحظر وعلى الآخر بالإباحة وهو بول الإبل والجمع بين ما فرقه النص غير جائز وأيضا فإن الناس كانوا يشربون الخمر قبل تحريمها ويشفون بها ويتبعون لذاتها فلما حرمت عليهم صعب عليهم تركها والنزوع عنها فغلظ الأمر فيها بإيجاب العقوبة على متناولها ليرتدعوا وليكفوا عن شربها وحسم الباب في تحريمها على الوجوه كلها شربا وتداويا لئلا يستبيحوها بعلة التساقم والتمارض وهذا المعنى مأمون في أبوال الإبل لانحسام الدواعي ولما على الطباع من المؤنة في تناولها ولما في النفوس من استقذارها والنكرة لها فقياس أحدهما على الآخر لا يصح ولا يستقيم والله أعلم انتهى قال المنذري والحديث أخرجه بن ماجه عن طارق بن سويد من غير شك ولم يذكر أباه قال عن علقمة بن وائل الحضرمي عن طارق بن سويد الحضرمي وأخرجه مسلم والترمذي من حديث وائل بن حجر أن طارق بن سويد سأل النبي صلى الله عليه وسلم([29]).

والمستخلص من تلك التفاصيل أن الاستشفاء من بول الإبل حلال بنص الحديث الصحيح في حالة الحاجة له لكنه ليس أمراً محتوماً ومفروضاً يستلزم التطبيق.

وبعد مرور أكثر من 1400 عام على هذا القول النبوي الحق تأتي البحوث لتبين حقيقة هذه النصيحة العلاجية المهمة. فلقد قامت بحوث وتطبيقات سريرية وعملية مؤخراً حول بول الإبل والاستشفاء منها قدمت من خلال مؤتمرات إعجازية لتؤكد أن حقيقة السبق الإسلامي القرآني والنبوي تتكشف لنا اليوم في عالم العلوم والتقانات والعلاجات الحديثة ([30]).

وهنا نلحظ ملاحظة عابرة جديرة بالتوقف، وهي أن تلك المضادات الداخلية المليئة بالصفات العجيبة والتي تسير في دم هذا الحيوان المذهل تخرج مع البول في عملية التصفية الكلوية المستمرة له، وبالتالي فالبول قد يحوي تلك المضادات معه. وهذا ملمح يمكننا أن نقوم على أساسه بتجربة علمية خاصة بهذا لنستخرج منها بعض أسرار حقيقة الخبر الذي أخبرنا به الصادق الأمين الذي لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى.

وعليه فشفاء أقوام من شربهم لبن الإبل وأبوالها كان أمراً مستغرباً وربما لا زال لكن بحوث اليوم تثبت أن تلك الحيوانات لا تنفك تقدم لنا خدمات في كل جزء من أجزاء جسمها بدءاً من لحمها ولبنها ووبرها وروثها السمادي المفيد للنبات، وانتهاءاً بأحشاءها وخلاياها الداخلية التي فيها تلك المضادات الحيوية الرائعة. بل وحتى أبوالها التي هي عند الكثيرين نجاسة مستقذرة.

وبعد، هل من متسائل يسأل لماذا اختص النظر بالإبل في الآية السابقة من سورة الغاشية؟..

فصدق الله ورسوله – صلى الله عليه وسلم-.

--------------------------------------------------------------------------------

([1]) بحث (الجِمال.. آيات خلق عجيبة)، الدكتور زهير فخري الجليلي، مجلة علوم العراقية، عدد 57، 1991، ص21.. وانظر كتابنا (الحيوانات والحشرات) ضمن سلسلة (ومضات إعجازية من القرآن والسنة النبوية)، طبع دار الكتب العلمية ببيروت، ص 26.

([2]) بحث (الجِمال.. آيات خلق عجيبة)، الدكتور زهير فخري الجليلي، مجلة علوم العراقية، عدد 57، 1991، ص21.. وانظر كتابنا (الحيوانات والحشرات) ضمن سلسلة (ومضات إعجازية من القرآن والسنة النبوية)، طبع دار الكتب العلمية ببيروت، ص 26.

([3])بحث (الجِمال.. آيات خلق عجيبة)، الدكتور زهير فخري الجليلي، مجلة علوم العراقية، عدد 57، 1991، ص21.. وانظر كتابنا (الحيوانات والحشرات) ضمن سلسلة (ومضات إعجازية من القرآن والسنة النبوية)، طبع دار الكتب العلمية ببيروت، ص 26.

([4]) نفس المصادر السابقة.

([5])بحث (الجِمال.. آيات خلق عجيبة)، الدكتور زهير فخري الجليلي، مجلة علوم العراقية، عدد 57، 1991، ص21.. وانظر كتابنا (الحيوانات والحشرات) ضمن سلسلة (ومضات إعجازية من القرآن والسنة النبوية)، طبع دار الكتب العلمية ببيروت، ص 26.

([6]) نفس المصادر السابقة.

([7])بحث (الجِمال.. آيات خلق عجيبة)، الدكتور زهير فخري الجليلي، مجلة علوم العراقية، عدد 57، 1991، ص21.. وانظر كتابنا (الحيوانات والحشرات) ضمن سلسلة (ومضات إعجازية من القرآن والسنة النبوية)، طبع دار الكتب العلمية ببيروت، ص 26.

([8]) نفس المصادر السابقة.

([9]) نفس المصادر السابقة.

([10]) بحث (الجِمال.. آيات خلق عجيبة)، الدكتور زهير فخري الجليلي، مجلة علوم العراقية، عدد 57، 1991، ص21.. وانظر كتابنا (الحيوانات والحشرات) ضمن سلسلة (ومضات إعجازية من القرآن والسنة النبوية)، طبع دار الكتب العلمية ببيروت، ص 26.

[11] عن بحث: [الأجسام المضادة عند الجمال تثير موجة شفائية جديدة

 (‘Camelized’ Antibodies Make Waves)

عن مجلة ساينس العلمية الأمريكية واسعة الانتشار :

 ( SCIENCE- VOL 318- 30 NOVEMBER 2007- P:1373).

 [12] عن بحث: [الأجسام المضادة عند الجمال تثير موجة شفائية جديدة

 (‘Camelized’ Antibodies Make Waves)

 عن مجلة ساينس العلمية الأمريكية واسعة الانتشار :
 
( SCIENCE- VOL 318- 30 NOVEMBER 2007- P:1373).

[13] عن بحث: [الأجسام المضادة عند الجمال تثير موجة شفائية جديدة

(‘Camelized’ Antibodies Make Waves)

 عن مجلة ساينس العلمية الأمريكية واسعة الانتشار :

 ( SCIENCE- VOL 318- 30 NOVEMBER 2007- P:1373).

[14] نفس المصادر السابقة.

[15] نفس المصادر السابقة.

[16] عن بحث: [الأجسام المضادة عند الجمال تثير موجة شفائية جديدة

(‘Camelized’ Antibodies Make Waves)

 عن مجلة ساينس العلمية الأمريكية واسعة الانتشار :

 ( SCIENCE- VOL 318- 30 NOVEMBER 2007- P:1373).

[17] نفس المصادر السابقة.

[18] إذن هم يخمنون، فالملاحظ ان جميع استنتاجات المؤمنين بنظرية التطور هي مجرد تخمينات وليست

حقائق علمية. لكن السؤال المطروح هنا للمؤمنين بنظرية التطور هو: لماذا لم يستمر التطور بعد تلك حقبة

السحيقة من الزمن (50 مليون عام) والخاصة بانفصال الجمليات عن المجترات لتتشكل لدينا فصائل وأنماط

وعوائل من حيوانات أخرى بعد الجمال ومجموعتها؟؟!!

[19] عن بحث: [الأجسام المضادة عند الجمال تثير موجة شفائية جديدة

‘Camelized’ Antibodies Make Waves)

 عن مجلة ساينس العلمية الأمريكية واسعة الانتشار :

 ( SCIENCE- VOL 318- 30 NOVEMBER 2007- P:1373).

[20] هي من معاني قوله تعالى في الآيات (17-21) من سورة الغاشية:  أَفَلَا يَنظُرُونَ
إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ {17} وَإِلَى السَّمَاء كَيْفَ رُفِعَتْ {18} وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ {

19} وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ {20} فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ {21}والله تعالى أعلم.

[21] صحيح البخاري - (ج 1 / ص 390، رقم 226)،.وانظر الحديث في صحيح
البخاري - (ج 10 / ص 215، رقم 2795 )، وكذلك صحيح البخاري - (ج 14 / ص 129، رقم 4244)، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا خَلْفَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَذَكَرُوا وَذَكَرُوا فَقَالُوا وَقَالُوا قَدْ أَقَادَتْ بِهَا الْخُلَفَاءُ فَالْتَفَتَ إِلَى أَبِي قِلَابَةَ وَهْوَ خَلْفَ ظَهْرِهِ فَقَالَ مَا تَقُولُ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ زَيْدٍ أَوْ قَالَ مَا تَقُولُ يَا أَبَا قِلَابَةَ قُلْتُ مَا عَلِمْتُ نَفْسًا حَلَّ قَتْلُهَا فِي الْإِسْلَامِ إِلَّا رَجُلٌ زَنَى بَعْدَ إِحْصَانٍ أَوْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ عَنْبَسَةُ حَدَّثَنَا أَنَسٌ بِكَذَا وَكَذَا قُلْتُ إِيَّايَ حَدَّثَ أَنَسٌ. وانظر كذلك صحيح البخاري - (ج 21 / ص 66، رقم 6304). وحديث آخر في صحيح البخاري - (ج 21 / ص 72، 6307). وانظر الحديث مفصلاً في صحيح مسلم - (ج 9 / ص 9، رقم 3163).. والحديث عند الكثير من اهل السنن بألفاظ متقاربة.

[22] شرح معاني الآثار - الطحاوي - (ج 1 / ص 108، رقم 614)

[23] معاني الآثار - (ج 1 / ص 216).

[24] عمدة القاري شرح صحيح البخاري - (ج 5 / ص 80- 83)، 66-( باب أبوال الابل والدواب والغنم ومرابضها ).

[25] العرف الشذي للكشميري - (ج 1 / ص 108).

[26] الفائق في غريب الحديث و الأثر - (ج 1 / ص 245).

[27] تحفة الأحوذي - (ج 6 / ص 168).

[28] شرح صحيح البخارى ـ لابن بطال - (ج 1 / ص 347).

[29] عون المعبود - (ج 10 / ص 254).

[30] أنظر بحوث المؤتمر الاعجازي العالمي السابع بدبي عام 2004م.


 
 



اقرأ أيضا

  » النفط ومشتقاتة  فى القرآن الكريم Oil & Petroleum In The Holy Qur’an
» أعاجيب قصص معاصرة في أعمال البر - د. عبد الرحمن السميط
» إلا بقصد .. إنهم يرون فَتْق الرّتق حقا..أفلا يؤمنون
»
»
» القمة الكبرى للأصوات في القرآن الكريم The Greatest Peak of Sounds in the Holy Quran
» شرف العلوم الرياضية والهندسية على بقية العلوم الطبيعية بنص القرآن الكريم The honor of Mathematical & Engineering Sciences in the Holy Quran
» أثر القرآن الكريم في استنباط وتطوير علوم وهندسة وتقنيات الميكانيك والحركة Role of the Holy Quran on developing and inventing the mechanical engineering techniques
» أثر القرآن الكريم في اختراع علم فك الرموز من قبل الكندي Role of the Holy Quran on the scientific discovery of Cryptography (Code Breaking and Ciphers) By Al-Kindy
» أثر الإسلام في تقدم العلوم والتقنيات الهندسية عموما ًThe Role of Islam on engineering sciences & techniques
 
 


© جميع الحقوق محفوظة للدكتور خالد العبيدي  

استضافة وتصميم وتطوير ميدل هوست